فوزي آل سيف

10

رجال حول أهل البيت

لقد عاش زيد مأساة كربلاء في البكاء اليومي المستمر لوالده، وفي تداعي المعاني الدائم الذي كان يتم، فإذا ذهب والده إلى السوق. فإن منظر القصاب الذي يسقي الكبش قبل ذبحه. يتحول إلى مغناطيس يستجلب كل مناظر الشفاه الذابلة ظمأً في كربلاء. إلى ذهن أبيه، لماذا اشتعلت النار في موقع فلا يرى فيه إلا ألسنة اللهب التي تضطرم بأخبية نساء أبيه في يوم الطف.. وهكذا كانت كربلاء الحاضرة معه أبدا، وفي كل موقف. ولم يكن هذا هو العامل الوحيد الذي يصبغ حياة أبيه بلون الحزن والدمعة الساخنة.. لقد كان يبكي أكثر عن خشية الله، ولم يصنع ما يستوجب البكاء، ولكنها قلوب أحباب الله تشتعل شوقا إلى لقائه، وتحترق ألما إلا يعينها الجسد على الانطلاق. وأخذ الولد من صفات والده تلك ما استطاع، وكان ذلك المقدار كافيا لتأهيله بين الناس إلى درجة الإعجاب الشديد. وبعد رحيل والده قام بتربيته أخوه الإمام محمد بن علي الباقر عليه السلام ، وكان يتوسم فيه كل خير، فقد دخل عليه ذات مرة فلما رآه قال الإمام الباقر عليه السلام {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلـَّه} ثم قال: أنت والله يا زيد من أهل ذلك.[1] وكان يقول: اللهم اشدد أزري بزيد. من أبيه ورث الانقطاع إلى العبادة حتى كان يصلي في نهاره ما شاء الله فإذا جن عليه الليل نام نومة خفيفة ثم يقوم فيصلي في جوف الليل ما شاء الله ثم يقوم قائما على قدميه يدعو الله تبارك وتعالى ويتضرع له ويبكي بدموع

--> 1 الغدير 3/ 70.